تقرير بحث السيد الخوئي للفياض

17

محاضرات في أصول الفقه

( وهذا الذي قالته المعتزلة لا ننكره نحن ، بل نقوله ونسميه كلاما لفظيا ، ونعترف بحدوثه ، وعدم قيامه بذاته تعالى ، ولكنا نثبت أمرا وراء ذلك ، وهو المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه بالألفاظ ، ونقول : هو الكلام حقيقة ، وهو قديم قائم بذاته تعالى ، ونزعم أنه غير العبارات ، إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة والأقوام ، ولا يختلف ذلك المعنى النفسي ، بل نقول : ليس ينحصر الدلالة عليه في الألفاظ ، إذ قد يدل عليه بالإشارة والكتابة ، كما يدل عليه بالعبارة . والطلب الذي هو معنى قائم بالنفس واحد لا يتغير مع تغير العبارات ، ولا يختلف باختلاف الدلالات ، وغير المتغير ، أي : ما ليس متغيرا - وهو المعنى - مغاير للمتغير الذي هو العبارات . ونزعم أنه - أي : المعنى النفسي الذي هو الخبر - غير العلم ، إذ قد يخبر الرجل عما لا يعلمه ، بل يعلم خلافه أو يشك فيه ، وأن المعنى النفسي الذي هو الأمر غير الإرادة ، لأنه يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أم لا ؟ فإن مقصوده مجرد الاختبار دون الإتيان بالمأمور به ، وكالمتعذر من ضرب عبده بعصيانه فإنه قد يأمره وهو يريد أن لا يفعل المأمور به ، ليظهر عذره عند من يلومه . واعترض عليه بأن الموجود في هاتين الصورتين صيغة الأمر ، لا حقيقته ، إذ لا طلب فيهما أصلا ، كما لا إرادة قطعا ، فإذا هو - أي : المعنى النفسي الذي يعبر عنه بصيغة الخبر والأمر - صفة ثالثة مغايرة للعلم والإرادة ، قائمة بالنفس ، ثم نزعم أنه قديم ، لا امتناع قيام الحوادث بذاته تعالى ) ( 1 ) . ومن الغريب جدا ما نسب إلى الحنابلة في شرح المواقف ( 2 ) ، وهذا نصه : ( قال الحنابلة : كلامه حرف وصوت يقومان بذاته تعالى ، وإنه قديم ، وقد بالغوا فيه حتى قال بعض جهلا : الجلد والغلاف قديمان فضلا عن المصحف ) ( 3 ) . يتضمن هذا النص عدة خطوط : 1 - إن لله تعالى سنخين من الكلام : النفسي واللفظي ، والأول من صفاته تعالى ، وهو قديم قائم بذاته الواجبة دون الثاني .

--> ( 1 ) شرح المواقف : المقصد السابع ج 8 ص 95 ط منشورات الرضي . ( 2 ) الموقف الخامس من الإلهيات : ص 76 . ( 3 ) شرح المواقف : المقصد السابع ج 8 ص 92 .